سيد قطب

2039

في ظلال القرآن

بحرارته وإشعاعه وإيحائه ؛ ويتكيفون بعد ذلك وفق حقائقه وقيمه وتصوراته . أما نحن اليوم فنتكيف وفق تصورات فلان وفلان عن الكون والحياة والقيم والأوضاع . وفلان وفلان من البشر القاصرين أبناء الفناء ! ثم ننظر نحن إلى ما حققوه في حياتهم من خوارق في ذات أنفسهم وفي الحياة من حولهم ، فنحاول تفسيرها وتعليلها بمنطقنا الذي يستمد معاييره من قيم وتصورات ومؤثرات غير قيمهم وتصوراتهم ومؤثراتهم . فنخطئ ولا شك في تقدير البواعث وتعليل الدوافع وتفسير النتائج . . لأنهم هم خلق آخر من صنع هذا القرآن . . وإنني لأهيب بقراء هذه الظلال ، ألا تكون هي هدفهم من الكتاب . إنما يقرءونها ليدنوا من القرآن ذاته . ثم ليتناولوه عند ذلك في حقيقته ، ويطرحوا عنهم هذه الظلال . وهم لن يتناولوه في حقيقته إلا إذا وقفوا حياتهم كلها على تحقيق مدلولاته وعلى خوض المعركة مع الجاهلية باسمه وتحت رايته . وبعد فهذا استطراد اندفعت إليه وأمامي هذه السورة - سورة الرعد - وكأنما أقرؤها لأول مرة ، وقد قرأتها من قبل وسمعتها ما لا أحصيه من المرات . ولكن هذا القرآن يعطيك بمقدار ما تعطيه ؛ ويتفتح عليك في كل مرة بإشعاعات وإشراقات وإيحاءات وإيقاعات بقدر ما تفتح له نفسك ؛ ويبدو لك في كل مرة جديدا كأنك تتلقاه اللحظة ، ولم تقرأه أو تسمعه أو تعالجه من قبل ! وهذه السورة من أعاجيب السور القرآنية التي تأخذ في نفس واحد ، وإيقاع واحد « 1 » ، وجو واحد ، وعطر واحد من بدئها إلى نهايتها ؛ والتي تفعم النفس ، وتزحم الحس بالصور والظلال والمشاهد والخوالج ، والتي تأخذ النفس من أقطارها جميعا ، فإذا هي في مهرجان من الصور والمشاعر والإيقاعات والإشراقات ، والتي ترتاد بالقلب آفاقا وأكوانا وعوالم وأزمانا ، وهو مستيقظ ، مبصر ، مدرك ، شاعر بما يموج حوله من المشاهد والموحيات . إنها ليست ألفاظا وعبارات ، إنما هي مطارق وإيقاعات : صورها . ظلالها . مشاهدها . موسيقاها . لمساتها الوجدانية التي تكمن وتتوزع هنا وهناك ! إن موضوعها الرئيسي ككل موضوع السور المكية « 2 » كلها على وجه التقريب - هو العقيدة وقضاياها . . هو توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ، وتوحيد الدينونة للّه وحده في الدنيا والآخرة جميعا ؛ ومن ثم قضية الوحي وقضية البعث . . وما إليها . . . ولكن هذا الموضوع الواحد ذا القضايا الواحدة ، لم يتكرر عرضه قط بطريقة واحدة في كل تلك السور

--> ( 1 ) الإيقاع الموسيقي في القرآن يتألف من عناصر شتى : من مخارج الحروف في الكلمة الواحدة ؛ ومن تناسق الإيقاعات بين كلمات الفقرة ؛ ومن اتجاهات المد في الكلمات ، ثم من اتجاهات المد في نهاية الفاصلة المطردة في الآيات ومن حرف الفاصلة ذاته ( وقد تكلمت عن هذا بتوسع في كتاب التصوير الفني ) وجميع العناصر التي يتألف منها الإيقاع في هذه السورة واحدة فيما عدا اتجاه المد وحرف الفاصلة في القسم الأول منها حتى آية 5 فمد الفاصلة وحرفها : « يؤمنون . توقنون . يتفكرون . يعقلون . خالدون » وبقية السورة : « العقاب . هاد . بمقدار . المتعال . بالنهار . . . إلخ » . ( 2 ) السورة مكية بخلاف ما ورد في المصحف الأميري وبعض المصاحف - اعتمادا على بعض الروايات - أنها مدنية . . ومكية السورة شديدة الوضوح : سواء في طبيعة موضوعها ، أو طريقة أدائها ، أو في جوها العام . الذي لا يخطئ تنسمه من يعيش فترة في ظلال القرآن !